ابن أبي العز الحنفي

205

شرح العقيدة الطحاوية

عن دين اللّه . قال : وإلى التحريم ذهب الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل وسفيان وجميع أئمة الحديث من السلف » وساق الالفاظ عن هؤلاء . قال : وقد اتفق أهل الحديث من السلف على هذا . لا ينحصر ما نقل عنهم من التشديدات فيه ، قالوا : ما سكت عنه الصحابة - مع أنهم أعرف بالحقائق وأفصح بترتيب الألفاظ من غيرهم - إلا لما يتولد منه من الشر . وكذلك قال صلى اللّه عليه وسلّم : « هلك المتنطعون » « 176 » . أي المتعمقون في البحث والاستقصاء . واحتجوا أيضا بأن ذلك لو كان من الدين لكان أهم ما يأمر به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ويعلم طريقه ويثني على أربابه . ثم ذكر بقية استدلالهم ، ثم ذكر استدلال الفريق الآخر . إلى أن قال : فإن قلت : فما المختار عندك ؟ فأجاب بالتفصيل ، فقال : فيه منفعة ، وفيه مضرة : فهو في وقت الانتفاع حلال أو مندوب أو واجب ، كما يقتضيه الحال . وهو باعتبار مضرته في وقت الاستضرار ومحله حرام . قال : فأما مضرته ، فإثارة الشبهات ، وتحريف العقائد وإزالتها عن الجزم والتصميم ، وذلك مما يحصل بالابتداء ، ورجوعها بالدليل مشكوك فيه ، ويختلف فيه الأشخاص . فهذا ضرره في اعتقاد الحق ، وله ضرر في تأكيد اعتقاد البدعة ، وتثبيتها في صدورهم ، بحيث تنبعث دواعيهم ويشتد حرصهم على الإصرار عليه ، ولكن هذا الضرر بواسطة التعصب الذي يثور من الجدل . قال : وأما منفعته ، فقد يظن أن فائدته كشف الحقائق ومعرفتها على ما هي عليه وهيئتها ، فليس في الكلام وفاء بهذا المطلب الشريف ، ولعل التخبيط والتضليل أكثر من الكشف والتعريف . قال : وهذا إذا سمعته من محدّث أو حشوي ربما خطر ببالك أن الناس أعداء ما جهلوا ، فاسمع هذا ممن خبر الكلام ، ثم قاله بعد حقيقة الخبرة وبعد التغلغل فيه إلى منتهى درجة المتكلمين ، وجاوز ذلك إلى التعمق في علوم أخر سوى نوع الكلام ، وتحقق أن الطريق إلى حقائق المعرفة من هذا الوجه مسدود . ولعمري لا ينفك الكلام عن كشف وتعريف وإيضاح لبعض الأمور ، ولكن على الندور . انتهى ما نقلته عن الغزالي رحمه اللّه . وكلام مثله في ذلك حجة بالغة ، والسلف لم يكرهوه لمجرد كونه اصطلاحا

--> ( 176 ) مسلم ، من حديث ابن مسعود وهو مخرج في « غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام » ( برقم 7 ) .